عبد الله الأنصاري الهروي
235
منازل السائرين ( شرح التلمساني )
وقد قسّم الشيخ رضي اللّه عنه الاستغراق في شهود المنعم إلى ثلاثة أقسام ذكرها في هذا الفصل ، وهي شهود العبوديّة ، وشهود الحبّ ، وشهود التّفريد . قوله : فإذا شهد المنعم عبودة ، هذا هو القسم الأوّل من الثلاثة ، وهو أن يستغرق العبد في المنعم الحقّ استغراق عبودة ، أي ، يكون مشاهدا للحقّ تعالى مشاهدة العبد للسيّد بأدب العبيد إذا حضروا بين يدي سيّدهم ، فإنّهم ينسون ما هم فيه من الجاه والقرب الذي ما حصل لغيرهم باستغراقهم في الأدب ، وملاحظتهم لسيّدهم خوفا من أن يشير إليهم في أمر فيجدهم غافلين عن ملاحظته ، وهذا معروف عند من صحب الملوك ، فهذا هو شهود العبد للمنعم واستغراقه فيه عن الإحساس بما حصل له عنده من الإنعام في حالة حضوره بين يديه ، فصاحب هذه الحال إذا أنعم عليه سيّده في هذه الحالة مع قيامه في حقيقة العبودة ، فإنّه يستعظم الإحسان ، لأنّ العبودة توجب عليه أن يستصغر نفسه عن الإحسان . قوله : وإذا شهده حبّا ، هذا هو القسم الثاني من الثلاثة أقسام المذكورة ، وهو أنّ العبد يشهد الحقّ تعالى شهود محبّة غالية ، وهذا أيضا يستغرق في محبوبه الحقّ ، فيستحلي منه الشدّة ، وذلك ممّا علمت من أنّ المحبّ يستحلي فعل المحبوب . وقد قال بعض عشّاق حسن الصورة لا صورة الحسن ، فأحسن في هذا المعنى : من لم يذق ظلم الحبيب كظلمه حلوا فقد جهل المحبّة وادّعى قوله : وإذا شهده تفريدا ، لم يشهد منه نعمة ولا شدّة ، يقول : / إنّ شهود التّفريد يرفع الثنويّة ، ويفني الرّسم ، ويذهب الغيريّة ، فإذا